الشيخ الأصفهاني

44

حاشية المكاسب

شئ عن شئ متقوم بالقصد . ومن الواضح أن المتكلم لم يقصد الحكاية عما فهمه المخاطب حتى تكون كاذبة ، بل قصد الحكاية عما يطابق المعنى الذي قد استعمل اللفظ فيه وإن لم ينصب قرينة عليه ، فاتضح أنه لم يظهر بكلامه اظهارا قصديا خلاف الواقع ، بل ما يطابق الواقع . وأما دعوى لغوية تحريم الكذب إذا لم تكن التورية كذبا ، فمدفوعة بأنه سد لباب الحيل الشرعية المجوزة قطعا ، فالاشتراك في الفائدة لا يستلزم الاشتراك في المفسدة ، حتى يكون كلاهما محرما . نعم إذا قلنا بأن جهة حرمته هي جهة قبحه عقلا ، وهو الاغراء بالجهل ، والتورية إغراء بالجهل كالكذب ، فتحرم التورية ، لاتحاد الملاك وإن لم تكن كذبا موضوعا . إلا أنه فيه : أولا : إن المشهور يقولون بحرمة الكذب بعنوانه ، ولو لم يلزم إغراء بالجهل ، كما إذا كان المخاطب عالما بكذبه ، فإنه لا إغراء بالجهل من قبل هذا الكلام ، وقد عرفت أن التورية ليست كذبا بعنوانه . وثانيا : بأن الاغراء بالجهل لا يستند إلى المتكلم ، بل إلى تخيل المخاطب خلاف ما قصده المتكلم من كلامه . وثالثا : لو استند الاغراء بالجهل إلى المتكلم ، فهو باعتبار عدم نصب القرينة على ما قصده من اللفظ ، لا باعتبار كلامه المستعمل فيما يطابق الواقع ، فليس الكلام الملقى إلى المخاطب كذبا ذاتا ولا ملاكا . ثم إن التحقيق : أن عنوان الاغراء بالجهل ليس من العناوين القبيحة بالذات ، بل باعتبار اندراجه تحت عنوان الظلم ( 1 ) على الغير ، وإنما يندرج تحت الظلم إذا كان إلقائه في الجهل مفوتا لغرضه ، أو موجبا لوقوعه في مفسدة ومضرة ، وإلا فمجرد إلقاء المخاطب في الجهل لا موجب لقبحه عقلا . وأما فيما نحن فيه ، فالكذب أو التورية وإن كانا إغراء بالجهل ، وكان الاغراء بالجهل لو خلي وطبعه ظلما ، إلا أنهما لدفع ظلم الظالم فعلا ، فلا يتصف شئ منهما بالظلم حتى

--> ( 1 ) هكذا في الأصل ولكن الظلم لا يتعدى بعلى فالصحيح أن يقال ( الظلم للغير ) .